الآثار الإقتصادية والإجتماعية والنفسية للحرب على منسوبي الخدمة المدنية بالسودان

 

طاحونة الحرب وأعمدة الدولة: الخدمة المدنية في السودان بين شبح الانهيار والشرخ النفسي

 

الخرطوم — يونيو 2026

لم تعد الحروب مجرد مجابهات عسكرية، بل هي زلازل تقتلع مؤسسات الدولة من جذورها. وفي قلب هذا الإعصار بالسودان، يقف منسوبو الخدمة المدنية كخط دفاع أول لحفظ كيان الدولة، رغم كونهم الضحية الأكثر تضرراً. 

تحت شعار: (تحديات العودة للعمل) وعنوان "الآثار الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للحرب على منسوبي الخدمة المدنية" نظمت أكاديمية السودان للعلوم الإدارية تحت إشراف ورعاية السيد/ وزير الموارد البشرية والرعاية الاجتماعية الأستاذ/ معتصم أحمد صالح، عبر ورشة عمل لتشريح هذا الواقع المتأزم، أُقيمت بالخرطوم يوم الخميس 25/6/2026م – الساعة 8:30 صباحاً بهيئة التدريب بالشرطة – شارع عبيد ختم.

ثالوث الأزمة: اقتصاد متآكل، نسيج ممزق، وعقول مرهقة.

استعرضت الورشة والورقة العلمية التي قدمتها د. عفاف بخيت خليفة ثلاثة مستويات سحقت واقع العاملين:

النزيف الاقتصادي: تسببت الحرب في شلل مالي أدى لتوقف المرتبات، ودفع بالطبقة الوسطى الإدارية إلى الفقر المدقع، بجانب فقدان الممتلكات بسبب النزوح القسري.

التفكك الاجتماعي: أدى النزوح لتشتت الأسر وفقدان شبكات الدعم، مع ضرب الهوية المهنية للموظفين واضطرارهم لممارسة مهن هامشية للبقاء.

الشرخ النفسي: واجه الموظفون ضغوطاً هائلة فجرت موجات من القلق، الاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة، والاحتراق الوظيفي نتيجة العيش في بيئة غير آمنة.

 

خارطة الإنقاذ: ما العمل؟

شدد د. أبو بكر كوكو، وكيل الوزارة، على التزام الدولة بمخرجات الورشة لإنقاذ الخدمة المدنية، خاصة في ظل ابتعاد الكفاءات عن العمل والتدريب بوقت يشهد فيه العالم دخول التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

وفي سياق متصل، شدد الخبير الاستراتيجي، البروفيسور محمد حسين أبو صالح، على حتمية صياغة مشروع متكامل لـ "هندسة اجتماعية واقتصادية ونفسية" للشعب السوداني في مرحلة ما بعد الحرب.  وأشاد أبو صالح بالأهمية البالغة لتوقيت الورشة، لافتاً إلى أن الحرب وجهت ضربة قاسية للأجور ومستويات الأمان الوظيفي للعاملين. كما أكد على ضرورة الحفاظ على رأس المال البشري والاستثمار الفاحص فيه، منوهاً إلى أن خلق بيئة وظيفة جاذبة يمثل التحدي الأبرز والمعقد الذي يواجه مستقبل الخدمة المدنية في ظل الظروف الراهنة. 

وتمثلت أبرز توصيات الورشة في:

الدعم النفسي المستعجل: الاستعانة بمشخصين ومتخصصين نفسيين لمعالجة جراح الموظفين غير المرئية وتأمين استقرارهم.

الخطط البديلة للتحول الرقمي: إعادة هيكلة الوظائف والتدريب وحماية الكفاءات الإدارية للحد من هجرتها.

الحماية الاقتصادية والمؤسسية: توفير آليات مستدامة لصرف الأجور وحفظ السجلات لبناء خطط التعافي واستدامة الدولة.

الحد من الهجرة والنزوح: تقديم محفزات حقيقية للكفاءات الإدارية لمنع تفريغ الدولة من عقولها المفكرة، والعمل على إعادة بناء المؤسسات عبر خطط التعافي المبكر. 

ختاماً نجد إن موظف الخدمة المدنية في السودان اليوم هو الجندي المجهول الذي يحمي ما تبقى من هيكل الدولة. إن لم تلتفت السياسات الحكومية والمنظمات الدولية فوراً لإنقاذه اقتصادياً ونفسياً، فإننا لن نكون أمام مؤسسات معطلة فحسب، بل أمام انهيار كامل للعمود الفقري الذي يستند عليه السودان في رحلة العودة والبناء.